موسي الدلح المتحدث باسم مؤتمر بدو سيناء: 600 أسرة من البدو هاجرت بسبب الملاحقات الأمنية والبطالة

حوار: محمد علي الدين ـ مصطفي سنجر
كانت الساعة السادسة والنصف صباحاً والضباب يغطي كل شيء من حولي، كل تفاصيل المكان لم تعد واضحة إلا سيارة الدفع الرباعي ماركة تويوتا التي أقلتنا إلي المكان، وعلي بعد ثلاثة أمتار من مكان توقف سيارتنا كان الشيخ موسي الدلح مستلقيا علي الأرض نائماً بعد ليلة طويلة ومرهقة من مطاردة الشرطة. مطاردة بدأت منذ الساعة العاشرة مساءاً باقتحام منزل الدلح وإبلاغ زوجته بعدم رغبة الشرطة في أن يقيم موسي مؤتمراً قبلياً دعا لعقده لتقديم مطالب بدو سيناء إلي الحكومة والتي انتهت بإعلان المؤتمر الأول للقبائل في سيناء يوم 25 أغسطس الجاري.
ألقي الشيخ بأحد الأغطية علي الرمال ليجلس عليه ونجلس معه ونجري هذا الحوار في صحراء وادي العمرو:
> ما أسباب دعوتك لعقد هذا المؤتمر؟
ــ دعوت جميع قبائل البدو في سيناء إلي هذا المؤتمر لتقديم مطالبنا إلي الحكومة، وللعلم فهي مطالب ليست بالجديدة لأننا طالبنا بها من قبل عدة مرات من خلال الاعتصامات وإصدار البيانات، وتلقينا وعوداً كثيرة بتنفيذها لكن دون جدوي وحتي الآن يوجد عدد من أهالي سيناء رهن الاعتقال ونطالب بالإفراج عنهم، كما نطلب من الحكومة أن تسمح لنا بتملك الأراضي في سيناء، وعدم التمييز في المعاملة بين بدو سيناء وبقية المواطنين وتحديداً في نقاط التفتيش. وعلي الحكومة كذلك أن توفر لنا فرص عمل وأن تكون لنا أولوية التوظيف في المشروعات والمصانع المقامة علي أرض سيناء، فعلي سبيل المثال مصنع أسمنت سيناء لا يقبل توظيف البدو حتي في وظائف الحراسة ويعهد بها إلي شركات أمن خاصة يعمل بها أفراد من خارج سيناء. كما أريد أن ألفت النظر إلي أهمية دفع التعويضات المناسبة لأصحاب الأراضي المقامة عليها مصانع ومشروعات سياحية في سيناء.
> لماذا يقدم البدو هذه المطالب في هذا التوقيت؟
ــ تقدم البدو بتلك المطالب عدة مرات من قبل لكنهم لا يجدون أي استجابة من الحكومة، حتي إنني عندما كنت أعمل كمسئول علاقات خارجية لشئون البدو في مصنع أسمنت سيناء المملوك لرجل الأعمال حسن راتب، كنت أطالب بشكل مستمر بأن تكون أولوية العمل بالشركة لأبناء سيناء طالما أنهم قادرون علي أدائه، فالناس هنا يعانون من البطالة التي اضطرت 600 أسرة إلي الهجرة خلال الثلاث سنوات الأخيرة من وسط سيناء إلي مدينة الإسماعيلية والعيش حولها في مناطق عشوائية، ورغم كل ذلك فمصنع أسمنت سيناء لم يدفع أي تعويضات للبدو أصحاب الأرض المقام عليها المصنع والمحجر، وكل ما قدموه مجرد تبرع بمليون جنيه كإعانات تقدم للبدو، ولم يحصلوا منها حتي الآن إلا علي 24 ألفاً و700 جنيه فقط حيث وضع المصنع شروطاً تعجيزية تقضي بأن يعرض البدو علي قمسيون طبي يثبت أن لديه إعاقة تمنعه من القيام بأي عمل، بالإضافة إلي شرط آخر يتعلق بأن يحصل علي الإعانة البدو الذين كانوا يعيشون علي أرض المصنع فقط رغم أن أمن مصنع أسمنت سيناء أزال بيوت البدو الموجودة حول المصنع علي مدي 15 كيلومتراً. ومع هذا يحقق صاحبه أرباحاً كبيرة وحصل علي الأرض بسعر 50 قرشاً للمتر الواحد، ورغم ذلك يرفض دفع تعويضات لأصحاب الأرض.
> لكنك تعمل كمسئول علاقات خارجية لشئون البدون في مصنع أسمنت سيناء؟
ــ تقدمت باستقالة مسببة منذ أيام بعد أن أدركت أنهم أرادوني أن أهمش البدو وأخرجهم من أرض المحاجر لكن مجلس الإدارة رفض الاستقالة وبدأ يمارس ضدي ضغوطا شديدة، وحاولوا الاتفاق معي علي أن تكون الاستقالة شكلية أمام البدو فقط بينما استمر في عملي لدي المصنع وأحصل علي نفس الامتيازات لكنني رفضت لأنني لن أستطيع أن أواجه أهلي من البدو دون تحقيق مطالبهم.
> ما نوعية الضغوط التي مارستها عليك إدارة المصنع؟
ــ بدأت ممارسة الضغوط علي عندما كانت زوجتي تضع مولودها في أحد مستشفيات العريش حيث كنت أنتظرها في إحدي الكافيتريات، ففوجئت بأربع سيارات شرطة تابعة لمديرية أمن شمال سيناء ينزل منها عناصر الأمر ويتهمونني بصدم أحد الأشخاص أمام المستشفي، وقاموا بعصب عيني واختطافي ونقلي إلي قسم أول العريش، بعدها جاء الضابط «م.خ»، وكيل إدارة البحث الجنائي بالمديرية وقال لي: يا موسي أنا أرسلتك إلي المعتقل عدة مرات. وأنت مش كبير علي حاجة.. استمرت الاتصالات لأكثر من ساعة، وأخيرًا تدخل «م.خ» مفتش الأمن العام بشمال سيناء خشية حدوث مظاهرات لإطلاق سراحي، بعد ذلك اتصل بي حسن راتب، وقال: «محدش هـ يخلص مشاكلك مع الأمن إلا أنا» وكان المطلوب مني أن أقدم اعتذارا عن أحداث واعتراضات قام بها البدو لعدم إعطائهم فرص عمل، عن طريق إعلان ينشر في الصحف ويدفع ثمنه رجل أعمال يدعي محمد ضرغام ويتم نشره كاعتذار عن البدو لحسن راتب لكنني رفضت أيضا.
> وما الذي حدث بعد ذلك؟
ــ مارست حياتي بشكل طبيعي لمدة شهر حتي فوجئت بقرار منعي من دخول المصنع فاتصلت بفايز أبو حرب عضو مجلس الشعب ـ لمعرفة أسباب المنع واتصل بي بعدها حسن راتب، وقال: «أنا لم أعط تعليمات بذلك لكنني انظر في الأمر.. ياموسي أنت تتبني مشاكل البدو..أنا زهقت وهـ أجيب مدرعات واعتقلك» وفي نهاية حديثه معي قال: «بكرة أخليهم يدخلوا بينكم»، قاصدا الشرطة، وبالفعل اقتحمت الشرطة بيتي يوم الاثنين الماضي، وابلغوا أهل بيتي رسالة تقول: علي موسي أن ينهي مشاكله، وألا يطالب مجددا بمطالب البدو. تلي ذلك اقتحام البيت يوم الجمعة الموافق 1 يناير الماضي ـ أي قبل المؤتمر بيوم وقالوا: علي موسي ألا يذهب إلي مؤتمر القبائل غدا.
> لكن هل من المنطقي أن يمتلك حسن راتب كل هذا النفوذ ويحرك الشرطة ضدك؟
ــ حسن راتب أسس دولة خاصة به في سيناء، بفضل شبكة كبيرة من العلاقات مع المسئولين الحاليين والسابقين في شمال سيناء، فكل هؤلاء يعملون لدي حسن راتب في شركاته بعد خروجهم إلي المعاش، كالمحافظ السابق أحمد عبدالحميد، ومدير الأمن السابق علاء عبداللطيف، واللواء صالح عيسي، مدير المباحث السابق، فيما حاول استقطابي لأكون مؤثرا مع البدو كمسئول عن شئون البدو لديه في الشركة.
> ..وما الذي حدث بعد ذلك؟
ــ أرسلت ثلاثة من أعضاء مجلس الشعب هم: فايز أبوحرب ونشأت القصاص، ومحمد الكاشف، وعواقل ومشايخ البدو إلي مدير أمن شمال سيناء اللواء منتصر شعيب، وحملتهم رسالة مفادها أنني مستعد لأن أذهب إلي النيابة إذا كانت لدي أي قضايا جنائية مع حسن راتب، فرد عليهم مدير الأمن قائلا: «موسي غير مطلوب، وعليه أن ينهي خلافاته مع حسن راتب، ولو كنا عايزينه كنا اخدناه».
> كيف تسير العلاقة الآن بينك وبين حسن راتب؟
ــ آخر العروض التي تلقيتها كانت تتعلق بالعودة إلي الشركة كمستشار للدكتور حسن راتب لشئون البدو، ورفع جميع الملاحقات الأمنية، لكنني رفضت لأن مطالبنا مشروعة، وادعو إلي تشكيل لجنة من كبار المشايخ والعقلاء من سيناء والمهتمين بأمر سيناء، لمناقشة كيفية إيجاد حلول لكل المشاكل العالقة دون الإضرار بمصالح المستثمرين، أو حقوق البدو. كما أننا بصدد تأسيس مؤتمر شعبي لوضع حلول لمشاكل البدو، فمنطقة وسط سيناء تفتقر إلي كل الخدمات الأساسية فلا يوجد بها ماء أو مدارس أو مستشفيات، وحتي المباني الموجودة بها بلا أطباء أو معدات، كل هذه العوامل بالإضافة إلي الضغوط الأمنية وضغوط رجال الأعمال أدت إلي هجرة بدو وسط سيناء إلي الإسماعيلية. لكننا لن نرضخ أو نركع لأي كان سوي الله سبحانه وتعالي.
> ما توقعاتك للمؤتمر بعد الملاحقات الأمنية الأخيرة التي تعرضت لها ـ وإغلاق الطرق المؤدية لمنطقة عقد المؤتمر؟
ــ رغم كل ما حدث أتوقع أنهم لم يمنعوا عقد المؤتمر حيث سيحضره ممثلو قبائل الترابين والسواركة والرميلات والتياها، وكل ما قامت به الشرطة كان المقصود به تخويف الناس وإرهابهم حتي لا يذهبوا إلي المؤتمر.
> لماذا التركيز دائمًا علي مصنع حسن راتب ومشروعاته في سيناء؟
ــ لأن شركات راتب استفادت كثيرا من خيرات سيناء سواء المواد الخام أو الأراضي لكنها لا تريد أن تقدم أي شيء لأهالي سيناء، فهي لا توفر لهم أي فرص عمل وترفض تشغيلهم وتأتي بالعمالة من خارج سيناء. يضاف إلي ذلك أن مصنع أسمنت سيناء يلقي بمخلفاته الضارة ومن ضمنها مادة «by-Pass» السامة في صحراء سيناء دون أي اشتراطات بيئية رغم أن المفترض أن يتم دفنها في مدافن صحية.
قد يحولنا حسن راتب بعلاقاته ونفوذه وأمواله إلي إرهابيين، نحن لسنا ضد الدولة ولا دخل لنا بالسياسة، لكننا نطالب بأقل القليل من حقوقنا الطبيعية، ولن يرهبنا أحد بالمدرعات أو بتلفيق القضايا أو يغرينا بالمال.. هذه الأرض احتلها العثمانيون والإنجليز والإسرائيليون وبقينا نحن فيها ولن نتركها اليوم لحسن راتب
كتبها مصطفى سنجر في 08:39 صباحاً ::
الاسم: مصطفى سنجر

