في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، برزت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي كقوتين عظيمتين تتربعان على قيادة العالم، في حين أفل نجم القوتين السابقتين إنكلترا وفرنسا اللتين كانتا تستعمران غالبية دول العالم الفقيرة، خصوصاً دول القارة الإفريقية. في تلك الفترة شهد العالم تغيرات سياسية واجتماعية، وتبدّلت الخرائط الجغرافية في مناطق كثيرة، فاختفت دول وظهرت كيانات أخرى جديدة، ووسط هذه التغيرات بدأت تظهر حركات التحرر الثورية في بلدان كثيرة، وشهدت الخمسينات والستينات من القرن العشرين ذروة هذه الحركات والثورات، التي أفرزت للعالم عدداً من الرموز التي ارتبطت أسماؤها بالكفاح والنضال من أجل الاستقلال والحرية.
من بين تلك الرموز التي لفتت أنظار العالم، أرنستو غيفارا، الشهير بـ «تشي غيفارا»، على رغم أنه لم يقم بثورة في بلده، ولم يكن زعيماً سياسياً، لكنه كان ناشطاً فاعلاً أدى دوراً إيجابياً في مساعدة الثوار بكل ما يملك، ولم يبغي من وراء ذلك أي مجد أو سلطة، بل أداء رسالة في مقاومة الظلم والطغيان.
ولد غيفارا في الأرجنتين عام 1928 من عائلة متوسطة الحال، ودرس الطب في جامعة بيونس إيرس، وتخرج فيها عام 1952، وكان من الممكن أن يعيش في بلاده الأرجنتين ويعمل في مهنته كطبيب، ولكنه آثر أن يكون ثائراً ويحارب الظلم والاستبداد في كل مكان، لأنه كان يتعاطف مع البسطاء والمظلومين، فقرر أن يكرس حياته للنضال من أجل هؤلاء البسطاء، ويعمل على تحريرهم من القهر والاستبداد.
عانى غيفارا من مرض الربو، وبسبب ذلك لم يلتحق بالتجنيد العسكري، عشق التجول والترحال، فقام بجولة حول أميركا الجنوبية مع أحد أصدقائه على متن دراجة نارية وهو في السنة الأخيرة من الطب، وكوّنت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أميركا الجنوبية، وبظلم الدول الإمبريالية الكبير للمزارع وللعامل البسيط.
توجّه بعد ذلك إلى غواتيمالا، حيث كان رئيسها يقود حكومة يسارية شعبية، كانت من خلال تعديلات في شؤون الأرض والزراعة، تتجه نحو ثورية اشتراكية، أطاحت بالحكومة الغواتيمالية عام 1954 من خلال انقلاب عسكري مدعوم من وكالة الاستخبارات الأميركية.
عام 1955 قابل غيفارا هيلدا، المناضلة اليسارية البيرونية، في منفاها في غواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى. وهيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين وتروتسكي وماو.
غيفارا وكاسترو
سافر غيفارا الى المكسيك بعد أن حذّرته السفارة الأرجنتينية من أنه مطلوب من المخابرات الأميركية، والتقى هناك راوول كاسترو المنفي مع أصدقائه والذين كانوا يجهزون للثورة وينتظرون خروج فيديل كاسترو من سجنه في كوبا، وما إن خرج الأخير ونُفي إلى المكسيك حتى قرر غيفارا الانضمام الى الثورة الكوبية. فرأى فيه فيديل كاسترو الطبيب الذي هو بأمس الحاجة إليه، فاتفق الرجلان على ضرورة أن تتحرر كوبا من استبداد الطاغية باتستا الذي حكمها بالحديد والنار، بينما كانت تعيش تحت خط الفقر وتعاني من الطغيان، وكمم الأفواه، وفرض الرقابة على الصحف، وأدخل السجون كل من يتفوه بكلمة عن الحرية، كذلك لم ينفذ وعوده بتحقيق الإصلاح المنشود بعد الانقلاب